عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
390
اللباب في علوم الكتاب
وتلك الجملة لا تخلو من أن يعطف عليها ما يناقضها ، أو لم يعطف ، فالأوّل : يستمرّ فيه ترك الواو ، نحو : أتيتك إن أتيتني وإن لم تأتني ، إذ لا يخفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط ، بل يتحوّلان إلى معنى التسوية ، كالاستفهامين المتناقضين في قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [ البقرة 6 - يس 10 ] . والثاني : لا بدّ فيه من الواو نحو : أتيتك ، وإن لم تأتني ؛ لأنّه لو تركت الواو فقيل : أتيتك إن لم تأتني لالتبس ، إذا عرف هذا فقوله : إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ من قبيل النوع الأول ؛ لأنّ الحمل عليه ، والتّرك نقيضان . والكلب يجمع في القلّة « أكلب » ، وفي الكثرة على « كلاب » ، وشذّوا فجمعوا « أكلبا » على « أكالب » ، و « كلابا » على « كلابات » ، وأمّا « كليب » فاسم جمع ؛ ك « فريق » ، لا جمع ، قال طرفة : [ الطويل ] 2623 - تعفّق بالأرطى لها وأرادها * رجال فبذّت نبلهم وكليب « 1 » وتقدّمت هذه المادة في المائدة . ويقال : لهث يلهث بفتح العين في الماضي والمضارع « لهثا » ، و « لهثا » بفتح اللام وضمها ، وهو خروج لسانه في حالة راحته وإعيائه ، وأمّا غيره من الحيوان ، فلا يلهث إلّا إذا أعيا ، أو عطش ، والذي يظهر أن هذه الجملة الشرطية لا محلّ لها من الإعراب ؛ لأنّها مفسّرة للمثل المذكور ، وهذا معنى واضح لقولهم في قوله تعالى : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أنّ الجملة من قوله من تراب مفسّرة لقوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [ آل عمران : 59 ] . واعلم أنّ هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب ، وإنّما وقع بالكلب اللّاهث ، وذلك من وجهين : الأول : أنّه شبهه بأخس الحيوانات ، وأخس الحيوانات الكلب ، وأخسّ الكلاب الكلب اللّاهث ، فمن آتاه اللّه العلم والدّين فمال إلى الدّنيا ، وأخلد في الأرض ، كان مشبها بأخس الحيوانات وهو الكلب اللّاهث ، فإنّه يلهث في حال الإعياء ، وفي حال الرّاحة ، وفي حال العطش ، وفي حال الرّي ، وذلك عادته الأصليّة وطبيعته الخسيسة لا لضرورة وحاجة تدعو إلى ذلك فكذلك من آتاه اللّه العلم والدين ، وأغناه عن التّعرّض لأوساخ النّاس ، ثم إنّه يميل في طلب الدّنيا ، ويلقي نفسه فيها ، فحاله كحال ذلك اللّاهث ، حيث واظب على الفعل الخسيس القبيح ، بمجرّد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة لا لحاجة وضرورة . الثاني : أنّ العالم إذا توسّل بعلمه إلى طلب الدّنيا ، فذلك إنّما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ، ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها ، فهو عند ذكر تلك العلوم يدلع
--> ( 1 ) تقدم .